ابراهيم
سلطان علي
القائد المحرِّر
يحتفي الارتريون اليوم بكل
إجلال وإكبار بالذكرى السادسة والأربعين لإعلان كفاحهم المسلح الذي خاضوه
علي مدى ثلاثين عاماً بدأت في غرة سبتمبر 1961م، ذلك اليوم الذي
يكنــِّــيه الارتريون ب(
الفاتح من سبتمبر ) أو ( بـَــحـْــتــِــي مسكـــَــرَّم ) حباً وتوقيراً
وتدليلاً، والذي ظل منذ عقود وما يزال عيداً وطنياً يتمتع بالإجلال
والتقدير بالنسبة للمواطنين الارتريين في كافة ميادين الحياة، فضلاً عن
ذلك، فإن المقاتلين من أجل الحرية، والمنتمين منهم الي جبهة التحرير
الارترية بالذات، يطلقون عليه بجدارة يوم أو عيد الثورة.
قبل عشرين عاماً خلت، أي في
الأول من سبتمبر 1987م، كان الارتريون كعادتهم يحتفلون بيوم الثورة، ولكن
في الساعات الأخيرة من نهار ذلك اليوم، علموا بأن ابراهيم سلطان علي قد
توفي بالقاهرة، لذا، فقد كان ذلك اليوم عيداً وموتاً مفعمين
بالمعاني والعبر. لقد كان
سلطان ثورياً علي طريقته، ومحرراً جليلاً، ما يزال الكثير من الارتريين
الذين يتوجب عليهم التعرف عليه، لا يعرفون عنه حتى هذه اللحظة شيئاً ذا
بال.
رفيقه في النضال، السيد/
ولدئاب ولد ماريام، أعلن ذات مرة أن ارتريا، لم يكن ليتسنى لها أن تكون تلك
التي نعرف، لولا الدور الذي لعبه سلطان في تَفادي تقسيمها، ثم دوره الفعّال
في خلق حالة من الالتفاف حول الوطنية التي يمكن أن تبنيها الأجيال
المتتالية،هذا الكاتب قد صدق كل الصدق في تقرير هذه الخلاصة، ذلك أنه لولا
أدوار سلطان وأمثاله من الوطنيين الشرفاء، لما كان لنا من أعياد للثورة
نحتفل بها، أو حتى ما كان من الممكن أن تكون لنا في الأصل قضية تستحق أن
نقاتل من أجلها، لولا قرار الأمم المتحدة رقم ( 390 – أ – 5 )، أو الدستور
الإرتري الديمقراطي في 1952 أَو العلم الأزرق أَو البرلمانِ الوطني، تلك
الأفضال الثمينة التي أسداها الينا وطنيو تلك الأيام المضيئة، والذين كان
إبراهيم سلطان، في اعتقادي الشخصي، أعظمهم جميعاً.
لقد رأيت مرّة صورة ظلية فقط
لإبراهيم سلطان، كَان ذلك في وقتٍ ما من العام 1956 وأنا وقتها طفل يدرس
بالصف الثالث الابتدائي، وهو يومئذٍ زعيم كبير لأكبر أحزاب تلك الأيام.
كَان الرجل يتمتع بشعبية واسعة جداً، في ذلك المقام، صرخ أصدقائي من جيرانه
في الحي: انظروا! انظروا! إبراهيم سلطان! ونظرتُ، لكني لم أتمكن إلا من
مشاهدة ظهر رجل في جلباب أبيض يدخل مكتبه في مكانٍ ما قرب المسجد الوحيد
وسط مدينة كرن. ذلك كَان كل ما علق بذاكرتي عنه في ذلك الزمان الباكر. بيد
أني في السنوات اللاحقة، قرأت وسألت عنه أكثر، واليوم أرجو أن أقاسم
القراء بعض الملاحظات من مفكرتي الجيبية عن هذا الوطني الكبير الذي أكن له
كل الاحترام، علي الرغم مما سمعته عنه من انتقادات.
إسهامات تاريخية للشيخ إبراهيم
سلطان علي:
·
كَان صاحب الدور
المفتاحي في تحرير التيجري في اقليمي الساحل وبركا، أولئك الذين
عضــَّــدوا فيما بعد صفوف حركته الجماهيرية المطالبة بالإستقلال، أي حزب
الرابطة الاسلامية لأرتريا ( أطلق علي الحزب ذلك الاسم، بناءاً علي مقترح
الشيخ إبراهيم، فقط لمواجهة التحرّكات الأثيوبية لضم ارتريا مستغلة الدين
).
·
كَان الزعيم الأبرز
الذي ساعد على إيجاد وتكوين حزب الرابطة الاسلامية كحزب يدعو الي تقرير
المصير ويدافع عنه.
·
كَان له دور هام في
تَأسيس ما عرف بالكتلة الاستقلالية،
Blocco Independenza
التي كانت تضم في عضويتها ستة أحزاب استقلالية.
·
كَان الشخصية
السياسيةَ الإرتريةَ الأولى في توسيع الاتصالات الدبلوماسية للقضية
الارترية، تلك الاتصالات التي كان من بينها اجتماعاً بالبابا في الفاتيكان.
·
كَان صوت أرتريا
الداوي في اجتماعات الأمم المتحدة.
·
بعد الاتحاد
الفدرالي، كَان هو الأمين العام للجبهة الديمقراطية الإرترية
(EDF).
·
في أواخر الخمسينات،
أصبح واحداً من القادة السياسيين المنفيين الذين أصبحوا ضميرَ حركة التحرير
الجديدة التي بدأ مدها يتصاعد داخل الوطن.
·
حتى وافته المنية في
1987م، ظل الشيخ إبراهيم سلطان يؤيد حركةَ التحررلوطني الارترية وكان دائم
الحديث عن وحدة الأرتريين دون تحيــُّــز الي اقليمٍ أو دينٍ بعينه.
فيما يلي أقدم لكم مقتطفات
أكثر تفصيلاً عن هذا الرجل، استقيتها من ملاحظاتي العادية والمجردة:
ما الذي كَان يمثله إبراهيم
سلطان وماذا فعل؟
الميلاد والأسرة:
وُلدَ إبراهيم سلطان علي
بمدينة كرن في مارس/آذار 1909 لأبٍ يعمل بالزراعة والتجارة وينحدر من قبيلة
الرقبات من التجري وموطنه الأصلي منطقة ( قزقزا )
Gizgiza
باقليم الساحل. تلقــَّــى القرآن الكريم في خلوة
الخليفة جعفر من قبيلة الحلنقا القاطنة بمدينة كسلا السودانية. أيضاً
تلقــَّــى في كرن تعليماً فنياً في معهد ( سلفاجيو رجــِّــــي وفي مدرسة
إمبيرتو بأسمرا أيضاً. لديه ابن وحيد يسمى عبد الوهاب يعيش الآن في باريس.
الحياة العملية:
عمـِــل إبراهيم سلطان كرئيس (
ناظر ) في محطة للقطار في الفترة من (1922- 1926 )، عمـِـل موظفاً بالخدمة
المدنية في كلٍّ من كرن، أغردات، تسني، عدي وقري، بل عمل حتى في وقرو
بالقرب من مقلي باقليم التجراي لستة أشهر. كَان يجيد التحدث والترجمة
باللغات العربية، الإيطالية والتجرينية. في ظل الحكم الإيطاليِ عمل في
الفترة من 1926 - 1941 رئيساً لقسم الشؤون الإسلامية في مكتب الشؤون
السياسية. في العهد البريطاني، عمل رئيساً لمكتب الشؤون المحلية حتى
أبريل/نيسانِ 1943. استقال عن العمل الحكومي وأَسّس مصنعاً حديثاً لإنتاج
الجبن في مدينة تسني، وقد كان المصنع قيد العمل حتى نهاية العام 1945. ثم
أصبح واحداً من كبار الموظفين بالغرفة التجارية الإرترية التي تأسّست في
ذلك العام، كان ذلك حتى نهاية سبتمبر/أيلولِ 1946.
الحياة السياسية:
في مايو/أيار 1941، كَان عضواً
مؤسّساً بالرابطةَ الوطنيةَ، حتى ساعد على تأسيس الرابطة الاسلامية لأرتريا
في 3 / 12 / 1946م، واتخذت الرابطةَ الاسلامية من كرن مقراً لها حتى قيام
التدخلات الأثيوبية بحل جميع الأحزاب في أواخر الخمسينيات.
كما أشرت في وقتٍ سابق، فإن
نشاطاته في العمل علي انعتاق التجري امتدت بين الفترة من 1942 – 1946،
الحركةَ عرفت في الغالب الأعم بحركة تحرير التقري.
إبراهيم سلطان، الذي كَان
الشخصية الأبرز في تأسيس الكتلة الاستقلالية/
Blocco Independenza
في يوليو/تموز 1949، حضر جلسات الدورة الثالثةَ للجمعية العامة للأمم
المتحدةَ في 3 / 4 / 1949م والدورة الخامسة للجمعية أيضاً في نوفمبر/تشرين
الثّاني 1950. في يناير/كانون الثّاني 1951، اشترك في تأسيس الجبهة
الديمقراطية الإرترية (إي دي إف) وأصبح أمينها العام.
كَان عضواً بأول برلمان إرتري
عندما انتخب في 15 / 5 / 1952م ممثلاً لقبيلته الرقبات والتي أصبح فيما بعد
زعيمها ( ناظرها ) حسب النظام الإداري الأهلي التقليدي للفترة من 1948 -
1950.
الأستاذ/ جعفر أسد قريب السيد
إبراهيم سلطان والذي كان في طفولته مقيماً مع الرجلِ في أسمرة، أخبرنا قبل
سنوات قليلة أن الشيخ إبراهيم سلطان كان يحب مشاهدة الأفلام السينمائية
يومياً في أسمرة في أوائل الخمسينات الي جانب قراءة الصحف الإيطالية
اليومية التي تصدر محلياً.
هكذا ندرك أن بدءَ ونمو الكفاح
السياسي الإرتري من أجل الاستقلالِ الوطني قد ارتبط بالوطنيين الكبار أمثال
إبراهيم سلطان، إذ شكـــَّـــل هو وأصدقاؤه الرابطة الوطنيةَ في مايو/أيار
1941، قبل مدة طويلة جداً من نشوء أي شكلٍ من أشكال النهوض السياسي في
أفريقيا، أي في ذلك العصر الباكر من فجر الكفاح الوطني التحرُّري الذي كَان
يتسم بقلة التجربة والافتقار إلى الأمثلة والنماذج الرائدة التي يمكن أن
تحتذى.
السيد/ ولدئاب ولدماريام قال
عن الشيخ إبراهيم: إن 90 % من الفضل في إبقاء ارتريا موحدة غير مجزأة
يعود إلى إبراهيم سلطان علي. ويضيف: " إبراهيم سلطان وطني بطولي يستحق
التقدير والامتنان من كافة الشعب الإرتري ".
في الأمم المتحدة، ردد الشّيخ
إبراهيم العبارات القوية الآتية: " إذا تم اتخاذ قرار غير موفق يضطرنا
للكفاح من أجل حماية هويتنا والحصول على استقلالنا، فإن أعضاء هذه اللجنة
هم من يتحمل المسؤوليةَ عن العداوات التي يمكن أن تَنبثق في شرق أفريقيا ".
المنفى والاسهام في الكفاح:
طبقاً لجعفر أسد أيضاً، غادر
إبراهيم سلطان ارتريا في فبراير/شباط 1958 في معية إدريس محمد آدم، حيث
اصطحبهما من أغردات إلى الخرطوم السيد/
عبد الله إدريس عبد
الله أحد أفراد الجيش السودانيِ من ( عد حشـِــل ) وقد استضيف الزعيمان
إبراهيم سلطان وإدريس محمد آدم بحي السجانة بالخرطوم في بيت السيد/ عبد ربه
سلامي اليمني المتزوج من ارترية، ثم لم تلبث السفارة المصرية أن زودت
الرجلين بتأشيرة الدخول الي مصر خلال اثني عشر يوماً، ودبـــِّــرت تذكرتا
القطار الى القاهرة من قبل (جمعية تحرير أبناء ارتريا بالخرطوم ).
أيضاً يضيف السيد/جعفر أسد،
عضو جبهة التحرير الارترية منذ مدة طَويلة والذي صادقته في العراق في
التسعينيات: ( أن كلاً من إبراهيم سلطان، ولدئاب ولدماريام، إدريس محمد آدم
ومحمد صالح محمود العضو في رواق الجبرتة بالأزهر والمحرّر السابق في صحيفة
صوت ارتريا، كَانوا يجتمعون بشكل ثابت في القاهرة ).
إبراهيم سلطان فيما بعد ذلك،
لم ينضم الي جبهة التحرير الارترية المشكـــَّــــلة حينها من قبل إدريس
محمد آدم، وذلك لاختلاف الطبع بين الرجلين، حيث كان إبراهيم ميالاً الي
الشفافية والصراحة، بينما كان الرجل الأول في جبهة التحرير الارترية آنذاك،
السيد/ إدريس محمد آدم، يميل الي الكتمان والتريــُّـــث. ولكن في السنوات
اللاحقة، حضر الشيخ إبراهيم المؤتمر الوطني الأول لجبهة التحرير الارترية
في 1971 والثانيِ في 1975 فوقف الي جانب جبهة التحرير الارترية ورفض
الانقسام، لهذا بقى معارضاً لتنظيم قوات التحرير الشعبية بقيادة السيد/
عثمان صالح سبي.
كذلك نمى الي علم كاتب هذه
السطور أنّ الشيخ/ إبراهيم أخبر السيد/ إسياس أفورقي في 1976 أن انشقاق
الأخير عن جبهة التحرير الارترية في 1970 وثانيةً عن قوات التحرير الشعبية
في 1976 كان خاطئاً، لأن " ذلك كَان ذا أثر سيئ على وحدة الشعب" علي حد قول
الشيخ/ سلطان. هذه الرسالة نفسها كررها سلطان في المؤتمر الثاني للجبهة
الشعبية لتحرير ارتريا المعقود في 1987.
كما أسلفت، فإن الشيخ إبراهيم
مات في يوم الثورة في 1987 في القاهرة، في الرابعة مساءاً بعد أن عانى من
المرض طويلاً، وقد دفن في السادسة مساءاً في الخامس من سبتمبر/أيلولِ 1987م
في حي الختمية قرب جبل التاكا بمدينة كسلا السودانية، حيث شيـــَّــعه الي
مثواه الأخير حوالي ال5000 شخص في موكب تشييع مهيب.
أي وطن هي ارتريا إسياس
أفورقي، تلك التي لا يراودها حتي مجرد التفكير في الاستقبال اللائق لرفاة
الوطنيين العظام أمثال إبراهيم سلطان علي، إدريس محمد آدم وعثمان صالح سبي،
وقد دفن هؤلاء جميعاً في الجوار الارتري قبل وبعد الاستقلالِ؟
في هذه الذكرى السادسة
والأربعين ليوم الثورة، يجب أَن نبعث جميعاً بأعطر التحية وأعظم التجلة الي
أبطالنا المبعثرين هنا وهناك، موتى
|